محمد جواد مغنية
76
في ظلال نهج البلاغة
استصعب ( المقوم ) الذي يراد منه القيام على الحق ، وبكلمة نفر المريض من الدواء ، فعجز ممرضه . ( المختلفة أهواؤهم ) . قال عبد الكريم الخطيب في كتاب علي بن أبي طالب ص 482 : « كان جيش علي مع غلبته على جيش معاوية - في معرض العواصف العاتية من الخلاف والتفرقة يتحركون لأقل بادرة ، ويثورون لأدنى مناسبة ، كل رأس يريد أن يعلو على سائر الرؤس ، وكل زعيم يعمل على أن يكون صاحب الرأي والكلمة ، وقد عرفنا ان الذين انحازوا إلى الإمام ، وقاتلوا معه لم يكن يملكهم إلا بوازع الدين والضمير ، ولهذا فهم جميعا مطلقون من يده لا يملك من أمرهم شيئا إذ كان أمرهم إلى أنفسهم ، وما يدينون به للَّه » . ( المبتلى بهم أمراؤهم ) . في شرح ابن أبي الحديد : ان المتكلمين من المعتزلة قالوا : ما بلغ أحد من حسن السياسة مبلغ الإمام بدليل انه قد مني برعية مختلفة الأهواء ، وبجيش عاص متمرد ، ومع ذلك قتل الناكئين والمارقين ، وتغلب على كثير من المصاعب ( صاحبكم - أي الإمام - يطيع اللَّه وأنتم تعصونه ) . لأنه استغنى باللَّه عنهم وعن كل شيء ، ولو أنه عصى اللَّه واستجاب لأهوائهم لما فاته شيء من طاعتهم ، بل كانوا أطوع اليه من بنانه . ( وصاحب أهل الشام - أي معاوية - يعصي اللَّه وهم يطيعونه ) لأنه عصى اللَّه ، واستجاب لأهوائهم ، ولو عصى أهواءهم لكانوا معه كاهل العراق مع الإمام ( لوددت واللَّه ان معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ) . ولو فعل هذا معاوية لكان العراقيون في الطاعة له تماما كأهل الشام أو أطوع ، وكان الشاميون مع الإمام كأهل العراق أو أكثر تمردا وعنادا ، والسر أن سياسة معاوية كانت تقوم على الرشوة وشراء الذمم ، وسياسة علي قامت على الحق والعدل ، ولا شك ان المال مقلب القلوب ، لا يملك الانتهازيون معه إلا السمع والطاعة لمن يغدق عليهم بغير حساب ، قال الأستاذ الخطيب في كتاب « علي بن أبي طالب » ص 445 : « كان المال في بدء الدعوة سبيلا لتأليف القلوب التي تزعزع إيمانهم ، ثم ها هوذا قد أصبح المال سبيلا لانتزاع الإيمان من القلوب ، فالمال على يد علي يفسد عليه أصحابه وأنصاره ، والمال في يد معاوية يؤلف له أعداءه ، ويبسط له على الناس سلطانا قائما على الرغبة والأمل » .